العيني
267
عمدة القاري
عمرو ، وقيل : النضر بن عمرو ، وفي رواية أبي داود : رواية الأكابر عن الأصاغر . ذكر ما يستنبط منه من الأحكام وهو على وجوه : الأول : فيه دليلاً على أن سجود السهو سجدتان . الثاني : فيه حجة لأصحابنا الحنفية أن سجدتي السهو بعد السلام ، وهو حجة على الشافعي ومن تبعه في أنها قبل السلام . الثالث : أن الذي عليه السهو إذا ذهب من مقامه ثم عاد وقضى ما عليه هل يصح ؟ فظاهر الحديث يدل على أنه يصح ، لأنه قال في رواية عمران بن حصين : ( فجاء فصلى ركعة ) ، وفي رواية غيره من الجماعة : ( فتقدم وصلى ) ، وهو رواية اليخاري ههنا ، وفي رواية : ( فرجع رسول الله إلى مقامه ) ، ولكن اختلف الفقهاء في هذه المسألة ، فعند الشافعي فيها وجهان : أصحهما : أنه يصح لأنه ثبت في صحيح مسلم : ( أنه ، عليه السلام ، مشى إلى الجذع وخرج السرعان ) . وفي رواية : ( دخل منزله ) . وفي رواية : ( دخل الحجرة ثم خرج ورجع الناس وبنى على صلاته ) . والوجه الثاني : وهو المشهور عندهم : أن الصلاة تبطل ، بذلك قال النووي ، وهذا مشكل ، وتأويل الحديث صعب على من أبطلها ، ونقل عن مالك أنه ما لم ينتقض وضوؤه يجوز له ذلك وإن طال الزمان ، وكذا روي عن ربيعة ، مستدلين بحديث عمران . ومذهب أبي حنيفة في هذه المسألة : إذا سلم ساهياً على الركعتين وهو في مكانه لم يصرف وجهه عن القبلة ولم يتكلم عاد إلى القضاء لما عليه ، ولو اقتدى به رجل يصح اقتداؤه به ، أما إذا صرف وجهه عن القبلة فإن كان في المسجد ولم يتكلم فكذلك ، لأن المسجد كله في حكم مكان واحد ، لأنه مكان الصلاة ، وإن كان خرج في المسجد ثم تذكر لا يعود ، وتفسد صلاته . وأما إذا كان في الصحراء فإن تذكر قبل أن يجاوز الصفوف من خلفه أو من قبل اليمين أو اليسار عاد إلى قضاء ما عليه ، وإلاَّ فلا ، وإن مشى أمامه لم يذكره في الكتاب . وقيل : إن مشى قدر الصفوف التي خلفه تفسد وإلاَّ فلا ، وهو مروي عن أبي يوسف اعتباراً لأحد الجانبين . وقيل : إذا جاوز موضع سجوده لا يعود ، وهو الأصح ، وهذا إذا لم يكن بين يديه سترة ، فإن كان يعود ما لم يجاوزها ، لأن داخل السترة في حكم المسجد . وا اعلم . وأجابوا عن الحديث : إنه منسوخ ، وذلك أن عمر بن الخطاب عمل بعد رسول الله بخلاف ما كان عمله يوم ذي اليدين ، والحال أنه كان فيمن حضر يوم ذي اليدين ، فلولا ثبت عنده انتساخ ذلك لما عمل بخلاف ما عمل به النبي ، وأيضاً فإن عمر فعل ذلك بحضرة الصحابة ولم ينكر عليه أحد ، فصار ذلك منهم إجماعاً . وروى الطحاوي ذلك عن ابن مرزوق ، قال : حدّثنا أبو عاصم عن عثمان بن الأسود . قال : ( سمعت عطاء يقول : صلى عمر بن الخطاب بأصحابه فسلم في ركعتين ثم انصرف ، فقيل له في ذلك ، فقال : إني جهزت عيراً من العراق بأحمالها وأقتابها حتى وردت المدينة ، قال : فصلى بهم أربع ركعات ) . الرابع : استدل به قوم على أن الكلام في الصلاة من المأمومين لإمامهم إذا كان على وجه إصلاح الصلاة لا يقطع الصلاة ، وأن الكلام من الإمام والمأمومين فيها على السهو لا يقطع الصلاة ، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق ، وقال أبو عمر بن عبد البر : وذهب الشافعي وأصحابه إلى الكلام والسلام ساهياً في الصلاة لا يبطلها ، كقول مالك وأصحابه سواء ، وإنما الخلاف بينهم أن مالكاً يقول : لا يفسد الصلاة تعمد الكلام فيما إذا كان في شأنها وإصلاحها ، وهو قول ربيعة وابن القاسم ، إلاَّ ما روي عنه في المنفرد ، وهو قول أحمد بن حنبل ذكره الأثرم عنه أنه قال : ما تكلم به الإنسان في صلاته لإصلاحها لم تفسد عليه صلاته ، فإن تكلم لغير ذلك فسدت عليه ، وذكر الخرقي عنه أن مذهبه فيمن تكلم عامداً أو ساهياً بطلت صلاته إلاَّ الإمام خاصة ، فإنه إذا تكلم لمصلحة صلاته لم تبطل صلاته . وقال الشافعي وأصحابه ومن تابعهم من أصحاب مالك وغيرهم : إن من تعمد الكلام وهو يعلم أنه لم يتم الصلاة ، وأنه فيها أفسد صلاته ، فإن تكلم ناسياً أو تكلم وهو يظن أنه ليس في الصلاة ، لا يبطلها . قال النووي : وبهذا قال جمهور العلماء من السلف والخلف ، وهو قول ابن عباس ، وعبد ا بن الزبير وأخيه عروة وعطاء والحسن والشعبي وقتادة والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وجميع المحدثين . وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري ، وفي أصح الروايتين عنه : تبطل صلاته بالكلام ناسياً أو جاهلاً ، انتهى . وأجمع المسلمون طرّاً أن الكلام عامداً في الصلاة إذا كان المصلي يعلم أنه في الصلاة ولم يكن ذلك لإصلاح صلاته أنه يفسد الصلاة ، إلاَّ ما روي عن الأوزاعي أنه : من تكلم لإحياء نفس أو مثل ذلك من الأمور الجسام لم تفسد بذلك صلاته ، وهو قول ضعيف في النظر . وقال القاضي عياض المشهور عن مالك وأصحابه الأخذ بحديث